ابن كثير

145

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

هنالك الحكم للّه الحق ، ثم منهم من رفع الحق على أنه نعت للولاية ، كقوله تعالى : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً [ الفرقان : 26 ] ومنهم من خفض القاف على أنه نعت للّه عز وجل ، كقوله ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [ الأنعام : 62 ] الآية ، ولهذا قال تعالى : هُوَ خَيْرٌ ثَواباً أي جزاء وَخَيْرٌ عُقْباً أي الأعمال التي تكون للّه عز وجل ، ثوابها خير وعاقبتها حميدة رشيدة كلها خير . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 45 إلى 46 ] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 45 ) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ( 46 ) يقول تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ يا محمد للناس مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا في زوالها وفنائها وانقضائها كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ أي ما فيها من الحب ، فشب وحسن ، وعلاه الزهر والنور والنضرة ، ثم بعد هذا كله أصبح هَشِيماً يابسا تَذْرُوهُ الرِّياحُ أي تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً أي هو قادر على هذه الحال وهذه الحال ، وكثيرا ما يضرب اللّه مثل الحياة الدنيا بهذا المثل ، كما قال تعالى في سورة يونس إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ [ يونس : 25 ] الآية ، وقال في الزمر : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ [ الزمر : 21 ] الآية ، وقال في سورة الحديد اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ [ الحديد : 50 ] الآية ، وفي الحديث الصحيح « الدنيا خضرة حلوة » « 1 » وقوله الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا كقوله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ [ آل عمران : 14 ] الآية ، وقال تعالى : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [ التغابن : 15 ] أي الإقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم ، والجمع لهم ، والشفقة المفرطة عليهم ، ولهذا قال : وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا . قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف : الباقيات الصالحات الصلوات الخمس . وقال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير عن ابن عباس : الباقيات الصالحات سبحان اللّه ، والحمد للّه ، ولا إله إلا اللّه ، واللّه أكبر ، وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان

--> ( 1 ) أخرجه بلفظ : « إنّ الدنيا حلوة خضرة » : الترمذي في الفتن باب 26 ، والزهد باب 41 ، وابن ماجة في الفتن باب 19 ، والدارمي في الرقاق باب 37 ، وأحمد في المسند 3 / 7 ، 19 ، 22 ، 46 ، 61 ، 74 ، 2 / 28 ؟ ؟ ؟ .